فخر الدين الرازي
151
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فينبغي أن لا يأمن من آمن وإن لم يجتهد ، فإن المبتدع معذب كالكافر ، غاية ما في الباب ، أن عذاب الكافر أشد وآلم وأمد وأدوم . ثم قال تعالى : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ قد ذكرنا أن قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تقرير لرسالة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وإعادة لبيان ما سبق في قوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ / مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [ السجدة : 3 ] ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد ، فقال تعالى : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ وقوله : يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ زيادة إبانة ، أي مساكن المهلكين دالة على حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها ، وقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ اعتبر فيه السمع ، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم ، فقال أفلا يسمعون ، يعني ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه . ثم قال تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 27 إلى 28 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد اللّه ، والجرز الأرض اليابسة التي لا نبات فيها والجرز هو القطع وكأنها المقطوع عنها الماء والنبات . ثم قال تعالى : فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ قدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه أحدها : أن الزرع أول ما ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان والثاني : وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو لا بد منه . وأما غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان ، فكأن الحيوان يأكل الزرع ، ثم الإنسان يأكل من الحيوان الثالث : إشارة إلى أن الأكل من ذوات الدواب والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة العقلية فكماله بالعبادة . ثم قال تعالى : أَ فَلا يُبْصِرُونَ لأن الأمر يرى بخلاف حال الماضين ، فإنها كانت مسموعة ، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى آخر السورة ، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً وفي آخرها بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ السجدة : 23 ] وذكر التوحيد بقوله : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ السجدة : 4 ] وقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [ السجدة : 7 ] وفي آخر السورة ذكره بقوله : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [ السجدة : 26 ] وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ وذكر الحشر في أولها بقوله : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [ السجدة : 10 ] وفي آخرها بقوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 29 إلى 30 ] قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 ) قوله تعالى : قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يقبل إيمانهم في تلك الحالة ، لأن الإيمان المقبول هو الذي يكون في دار الدنيا ، ولا ينظرون ، أي لا يمهلون بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا فيقبل إيمانهم ، ثم لما بين المسائل وأتقن الدلائل ولم ينفعهم . قال تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا